يعرض الكاتب محمود حسن صورة مقلقة للتداعيات التي تفرضها الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران على الاقتصاد والمجتمع في مصر. يتصاعد القلق الشعبي مع استمرار القتال واتساع نطاقه، إذ يخشى كثير من المصريين موجة جديدة من الأعباء الاقتصادية بعد سنوات طويلة من الضغوط المعيشية. تشير المؤشرات الأولى إلى أن الحرب لا تظل حدثًا بعيدًا عن الداخل المصري، بل تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة والتجارة والسياحة وسعر العملة.
ويشير تقرير نشره ميدل إيست مونيتور إلى أن الاقتصاد المصري بدأ يشعر بوطأة التوترات الإقليمية منذ الأسبوع الأول للحرب. تزامن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا مع تراجع ملحوظ في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، إضافة إلى اضطرابات في حركة الملاحة والتجارة عبر قناة السويس وتباطؤ النشاط السياحي. تعكس هذه التطورات تكلفة اقتصادية محتملة تمتد إلى عدة قطاعات في وقت واحد.
اقتصاد هش أمام الأزمات
يبدو الاقتصاد المصري شديد الحساسية للصدمات الإقليمية والدولية، إذ يدفع سريعًا ثمن أي تصعيد في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا شمل دول الخليج التي يعمل فيها ملايين المصريين. يعيش نحو ثمانية ملايين مصري في تلك الدول، وتشكل تحويلاتهم المالية مصدرًا حيويًا للعملة الأجنبية. وصلت هذه التحويلات إلى نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025 بعد ارتفاع كبير تجاوز 40 في المئة.
يتزايد القلق داخل مصر مع استمرار تراجع العملة المحلية، حيث تجاوز سعر الدولار حاجز 52 جنيهًا. يعني ذلك ارتفاع تكلفة السلع المستوردة التي يعتمد عليها المستهلكون والمصانع على حد سواء، سواء تعلق الأمر بالمواد الخام أو السلع الوسيطة أو المعدات الرأسمالية. وتزداد الضغوط مع ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة زيادة أسعار النفط وارتفاع رسوم التأمين على البضائع المستوردة.
يتخوف محللون من أن يؤدي توسع الحرب إلى توتر جديد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، خاصة إذا شاركت أطراف إقليمية أخرى مثل حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن. وقد يقود هذا السيناريو إلى تعطيل شبه كامل لحركة الملاحة الدولية عبر قناة السويس، وهو ما يهدد مصدرًا رئيسيًا للدخل القومي في مصر.
ازدادت الضغوط على الجنيه أيضًا نتيجة خروج أكثر من ملياري دولار من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، إضافة إلى إعلان شركات شحن عالمية تجنب المرور عبر قناة السويس واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح. كما شهدت البورصة المصرية تراجعًا في مؤشراتها، بينما تباطأت الاستثمارات الجديدة بسبب حالة عدم اليقين بشأن مدة الحرب ونتائجها.
تكبدت قناة السويس بالفعل خسائر كبيرة خلال العامين الماضيين في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة، إذ قدر الرئيس المصري حجم الخسائر بنحو عشرة مليارات دولار خلال عامي 2024 و2025.
كما يواجه قطاع السياحة خطر التراجع إذا اتسع نطاق الحرب في المنطقة. دعت الولايات المتحدة مواطنيها إلى مغادرة عدة دول في الشرق الأوسط بينها مصر بسبب مخاطر أمنية محتملة، بينما تدرس دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا اتخاذ إجراءات مشابهة لإجلاء رعاياها. وقد تعمق هذه الخطوات أزمة السياحة حتى لو بقيت مصر بعيدة عن القتال المباشر.
صدمة النفط والطاقة
تشكل أسعار الطاقة التحدي الاقتصادي الأبرز لمصر في ظل الحرب. ارتفع سعر خام برنت عالميًا من نحو 64 دولارًا للبرميل الشهر الماضي إلى ما يقرب من 120 دولارًا، وهو ارتفاع حاد يعكس اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
يضع هذا الارتفاع ميزانية الدولة تحت ضغط كبير، لأن الحكومة بنت تقديراتها في موازنة العام المالي 2025-2026 على أساس سعر يقارب 75 دولارًا للبرميل. يخلق هذا الفارق فجوة مالية كبيرة ويزيد تكلفة استيراد النفط والغاز، ما يفتح الباب أمام احتمال رفع أسعار الوقود داخل البلاد.
تشير مصادر حكومية إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة، خصوصًا إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، قد يدفع الحكومة إلى زيادة أسعار الوقود. كما تعرقل الحرب وصول شحنات الغاز التي تعاقدت عليها مصر من قطر، سواء بسبب الأضرار التي لحقت ببنية التصدير أو نتيجة تعطل الملاحة عبر المضيق. وقد تضطر القاهرة في هذه الحالة إلى شراء الغاز من السوق الفورية بأسعار أعلى من العقود طويلة الأجل.
كما زاد الضغط على قطاع الطاقة بعد توقف إمدادات الغاز القادمة من الحقول الإسرائيلية في البحر المتوسط مثل «تمار» و«ليفياثان»، حيث انخفضت التدفقات بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا. ويعني ذلك عبئًا إضافيًا على منظومة الطاقة المحلية.
تتوقع تقديرات مصرف مورجان ستانلي الاستثماري أن يرتفع عجز الطاقة في الموازنة المصرية بين 400 و600 مليون دولار خلال بقية العام المالي إذا توقفت الحرب قريبًا، بينما قد يصل العجز إلى نحو 2.4 مليار دولار إذا استمر التصعيد.
ضغوط أمنية واستراتيجية
لا تقتصر التحديات على الاقتصاد وحده، إذ تستعد مصر أيضًا لتحمل تكاليف أمنية متزايدة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. يواجه البلد العربي الأكبر سكانًا معضلة استراتيجية معقدة إذا استمرت الحرب ونجحت إسرائيل في تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط.
قد يفرض انهيار محتمل لإيران أو تغير نظامها ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، وهو ما قد يقود إلى حالة من الفوضى أو إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. ويرى بعض الباحثين أن توسع النفوذ الإسرائيلي بعد إضعاف ما يعرف بمحور المقاومة قد يشكل تهديدًا طويل المدى للأمن المصري.
كما يتوقع بعض المحللين تحول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة صراع غير مباشر بين واشنطن وطهران، ما قد يقرب المواجهة العسكرية من الحدود المصرية. وتشير هذه السيناريوهات إلى ضغوط استراتيجية إضافية على دولة تواجه بالفعل تحديات أمنية متعددة في محيطها الإقليمي.
في ظل هذه المعطيات تحاول الحكومة طمأنة المواطنين بتأكيد امتلاك احتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية تكفي لعدة أشهر، إضافة إلى الاستعداد لتوفير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد المنتجات البترولية. غير أن هشاشة الاقتصاد وتراجع قيمة العملة وارتفاع الدين الخارجي الذي بلغ نحو 163.7 مليار دولار قد تدفع البلاد إلى مواجهة موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتوسع دائرة الفقر.
https://www.middleeastmonitor.com/20260309-pressing-challenges-facing-egypt-as-a-result-of-the-iran-war/

